السيد علي الموسوي الدارابي
14
نصوص في علوم القرآن
ثابتة ، وتصوّرك للغة غامض ، يعرّضك لمزالق تشرف منها على السّقوط كلّ لحظة . وسبب ذلك واضح لكلّ من ألمّ بتاريخ العربيّة ، فهو يعلم حقّ العلم أنّها جميعا نشأت حول القرآن وخدمة له ، فمتن اللّغة اهتمّ قبل كلّ شيء بشرح مفردات القرآن . وتجد غير واحد من المؤلّفين الأوّلين ألّف في غريب القرآن وغريب الحديث . والنّحو والصّرف أنشئا لعصمة اللّسان عن الخطأ في التّلاوة أوّل الأمر ، وكان الحافز على التّفكير في وضعهما أخطاء في التّلاوة بلغت مسامع المسؤولين فتنادوا لتدارك الأمر . وعلوم البلاغة همّها جلاء روعة البيان القرآنيّ لأذهان النّاس ؛ ليتذوّقوا حلاوته ، وتتلقّح ملكاتهم بفصاحته . لذا كان أمرا طبيعيّا قيام أئمّة القرّاء بعلوم العربيّة ، وكان كبارهم أئمّة العربيّة الفحول ، كأبي عمرو بن العلاء ( 154 ه ) ، ويعقوب الحضرميّ ( 205 ه ) ، وابن محيصن ( 123 ه ) ، واليزيديّ ( 202 ه ) ، وقبله الخليل بن أحمد ( 175 ه ) ، حتّى الكسائيّ ( 189 ه ) في كوفته على ضعف ملكته ، وكذلك الرّواة عنهم . وهذا الإمام ابن مجاهد ( 324 ه ) مسبّح السّبعة يقول : لا يقوم بالتّمام إلّا نحويّ عالم بالقراءات ، عالم بالتّفسير ، عالم بالقصص وتلخيص بعضها من بعض ، عالم باللّغة الّتي نزل بها القرآن « 1 » . انتهى موضع الحاجة . وأنا أقول : إنّ هذه الآصرة المتلاحمة بين القرآن واللّغة العربيّة أفرزت علما جديدا يدعى باسم ( تأثير القرآن في اللّغة العربيّة وآدابها ) ، فألّفت كتب عديدة في هذا المضمار . أجل ، لقد ولدت علوم كثيرة في ظلّ القرآن ، ولا زالت تتمخّض علوم أخرى ، وأخيرا انخرط الكمبيوتر في جوقة علوم القرآن وخدمته . 2 - علوم في القرآن وهي العلوم الّتي استنبطت من القرآن ، وتبيّن بنحو ما مفهوما من مفاهيم القرآن وتوضّح أغراضه ، كأنواع التّفاسير وأقسامها ، وعلم الفقه وعلم الكلام وعلم الأخلاق ، وكافّة العلوم الشّرعيّة الأخرى المستخرجة من القرآن بأيّ كيفيّة كانت . ولعلّه يمكن القول بأنّ هذه العلوم غير محدودة ؛ لقوله تعالى : وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ
--> ( 1 ) الوقف والابتداء لابن الأنباريّ : 25 ، طبعة دمشق ، تحقيق الأستاذ محيي الدّين رمضان .